أحمد بن يحيى العمري
103
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
كان مع توسعه في الحكمة ، وتتبعه لسرجها المضيئة في كل ظلمة ، مصرّا على نصرانيته « 1 » ، معظّما لأمور رهبانيته ، ينقاد إلى خدعها ، ولا يخفى عليه أنها ضلال ، ويتردّد إلى بيعها « 2 » ، ولا يعتريه ملال ، ويعظم صورها الممثلة ، ويظل عليها عاكفا ، وإليها عاطفا ، وهو على يقين من أنها لا تنطق ، ولا تمسك عليه من خزائن رزقها ولا تنفق . على أنه كان إماما في الطبيعي لا يعدو علمه ، ولا يخاف عدمه ، فأما من ذكر سواه فكثيرا ما يجد من واساه . ذكره ابن أبي أصيبعة ، وقال : " هو الفيلسوف الإمام العالم [ أبو الفرج عبد الله ابن الطيب ، وكان كاتب الجاثليق ] ومتميزا بين النصارى ببغداد ، ويقرئ الطب في البيمارستان العضدي ، . . . . جليل المقدار ، واسع العلم ، شرح كثيرا من كتب أرسطو ، وأبقراط ، وجالينوس ، وكانت له قوة في التصنيف ، وأكثر ما كانت تؤخذ عنه إملاء من لفظه ، [ وكان معاصرا للشيخ الرئيس ابن سينا ] . وكان الرئيس يحمده في الطب ، ويذمه في الحكمة ، وقال فيه : " وكان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج ابن الطيب ، في الطب ، ونجدها صحيحة مرضية ، خلاف تصانيفه في المنطق والطبيعيات ، وما يجري معها " . وحكى ابن القفّ « 3 » : أن رجلين أتيا من بلاد العجم للقراءة على ابن
--> ( 1 ) : قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ صدق الله العظيم ، سورة النور - الآية 40 . ( 2 ) : البيعة : بالكسر ، معبد النصارى واليهود ، وكذلك الكنيسة ، لكن البيعة غلبت على معبد النصارى ، والكنيسة على معبد اليهود ، وهما معرّبا " كليسا " ، و " كنشت " بالفارسية ، أي : معبد النار ، أو بيعة اليهود ، أو كنيسة النصارى . انظر : المحبي - قصد السبيل 1 / 320 ، وكذا المعجم الذهبي 475 - 480 . ( 3 ) : يعقوب بن إسحاق ، أبو الفرج ، أمين الدولة الكركي ابن القف ، ( 630 - 685 هجرية ) عالم بالطب والجراحة ، من نصارى الكرك ، ملكي المذهب ، استقر في دمشق ، فقرأ على ابن أبي أصيبعة